رواية الأنثى قبل الأخيرة ج2

آذار 27th, 2006 كتبها محمود أبو فروة الرجبي نشر في , كتب قادمة

 

الجزء الثاني من رواية الأنثى قبل الأخيرة

تأليف: محمود أبو فروة الرجبي

علما ان هَذِهِ الرواية من المتوقع ان تصدر فِي بداية العام 2007 بإذن الله

اذا اردت ان تقرأ الجزء الاول راجع زاية كتب قادمة في هذا الموقع

بكت، وقالت لي إنها لا تصدق انني هو. لقد كذبت عليها، كشف كلامها لي كلَّ ما أشكو منه. تذكرت الجامعة. باعَ أبي كل شيء ليدفع أقساط دراستي. مجدي، كان تلميذاً كسولاً في المدرسة، يدخن، ولا يلتزم بقوانينها، ورغم ذلك حصل على بعثة دراسية مجانية، وراتب شهري من الحكومة.

صديقي زهدي كانَ متحمساً، لكنه لم يتعلم. لقد سرقوا منه حلمه، وقدموه على طبق من ذهب لغيره، وعلي، اغتالوا له طموحه. آه كم أكره الفقر، والضعف! هل حقاً يُحبُّ أبناء السيدةِ الأرضَ كما نُحبها؟

زهدي قال لي إن الوطنَ في عيون البسطاء قمرٌ جميل، يتغنَّى به العشاق ليل نهار.

أبناء السيدة يحبون الوطن لكن لحبهم لون آخر، انهم يرونه مزرعة يزرعها البسطاءُ بدمائهم، وعرقهم، ليقطفوا ثمارها هم.

زهدي كان يفرق بين الناس، وكان يقول إنهم نوعان؛ أبناء سيدة، وأبناء جارية. أناس مساكين، وأناس أقوياء.

تذكرت هذا فقلت لسارة:

- حتى وإن شوهوا الوطن، يمكننا أن ننسج من خيوط حبنا وطناً أجمل.

ابتسمت سارة، ولمعت في وجهها بارقة حزن، وقالت:

- السماسرة لا يموتون أبداً، إنهم يبدلون وجوههم فقط.

جاءني زهدي مرة أخرى اقترح علي أن يصطحبني إلى إحدى المناطق الأثرية. وافقتُ فوراً، رغم أنني اعرف انه يخُطط لإبعادي عن سارة، وجو سارة، لقد سمعت أمي تقول له:

- خذه بعيداً إلى أي مكان، لعله يُشفى من مرضه.

سرت معْهُ. ندمت. سارة لا تأتيني إلا في غرفتي. ماذا ستقول عندما تأتي، فلا تجدني؟ ما هي الظنون التي ستفقس، وتُفرخ في حاضنات عقلها؟ هل ستظن أنني تركتها، وهاجرت؟ آه لو أنني تركت لها رسالة أخبرها فيها أنني سأعود!

سارت بنا الحافلةُ بعيداً. كان زهدي يجلس بجانبي صامتاً. عيناهُ تحلقان بعيداً. اعلم انه يفكر بي، ويُخطط لشفائي. أنا لست مريضاً. أقسم ان سارة لم تمت. إنهم لا يصدقوني. أنا امتلك قلب شاعر، وقلب الشاعر لا يخطئ أبداً. من قال إن الحواس خمس؟ لماذا لا يعترف الناس بحاسة المشاعر؟ أنا أرى سارة بمشاعري، أرسمها بدموعي، اخط لها عينين جميلتين. حقاً سأكونُ سعيداً لو عرفت لون عينيها! 

اختلست النظرَ نحو زهدي, كَانَ ما زال صامتاً لا يتحدث. كانت ملامحه تصرخ بألم. كم أحبك يا زهدي! رغم انك لم تصدقني. اعرف انك تحبني وتثق بي، لكنني إنسان مبعثر، لقد بعثرتني سارة، ولن يُلملمني سوى الموت.

آهٍ يا زهدي كم هي مرهفةٌ مشاعرك! يداكَ مشققتان من العمل، وجهك ملفوح بشمس الوطن الجميلة، كم كنت تحب الدراسة والعلم! كانت الهندسة حبك الأول. كنا في المدرسة نملأ دفاترنا، وكتبنا بأسماء من نحب. أنا أحببت أميرة، وناريمان، وكوثر، ووو…

كتبي كانت تتحدث عنهن بإسهاب، ما تركت جذع شجرة، ولا حائطا مُقاما إلا وحفرتُ أسماءهن عليه.

أنت لم تحب مثلي، أو أنك أحببت، وأخفيت اسم من تحب. أنت ماهر في هذا الشيء أكثر مني، فقط كُنت تكتب في أعلى كل دفتر من دفاترك عبارة مشحونة بكل

المزيد


الأنثى قبل الأخيرة

شباط 21st, 2006 كتبها محمود أبو فروة الرجبي نشر في , كتب قادمة

مقاطع من رواية الأنثى قبل الاخيرة التي ستصدر في يناير 2007 م باذن الله

تأليف الكاتب محمود أبو فروة الرجبي

جلستُ كالطفل بينَ يديها، كالدُّميةِ في مسرح العرائس، تحُركني بكل خفة، ومهارة. تعرف كلَّ تفاصيلي، ولا أعرف منها غير أصابعَ أذوب في حركاتها، نَقَّبتْ مناجمي، وأخرجت منها كلَّ ما هُوَ مدفون. عرَّتني من كلِّ أستاري فصرتُ بين يديها سَطراً تقرؤه حَرفاً حَرفاً.

**                     **   **

بلع زهدي ريقه - هذا ما خمنته - وقال بأسى:

- انه مريض، لقد بعثره الحُبُّ أشلاء، وأشلاء.

شهقت أمي عندما سمعت هذا الكلام، وضربت صدرها بيدها، وقالت:

- ابني يحب؟ وهل يفعل الحُبُّ كل هذه المصائب؟

- انه يحب فتاة ميتة.

- ماذا؟ يا حبيبي.. أحب فتاة ثم ماتت!؟

- لا لا لا.. لقد ماتت الفتاة ثم أحبها.

**                      ** **

شعرت بالنار تسري في عروقي تدعوني للمشاركة. آه كم تمنيتُ أن يأتي اليوم الذي اخرج فيه إلى الشارع، وأسب الحكومة، واليوم الذي جاءت فيه الحكومة! (لو كانت الحكومات تدرك المتعة، والراحة التي يشعر بها الناسُ عندما يسبوها لأمَرَتهُم أمراً بفعل ذلك، بل لعينت من يسبها مقابل رواتب، ومكافآت!).

**                     **   **

وضعـتُ وجهها بين يدي كان مبتلاً بماء البحر، كم أتمنى لو أستطيع رؤية عينيها! قلت لها:

- لقد مزقت جواز سفري. أنا الآن بلا جنسية أو وطن، سأجعل حبكِ جوازي إلى جنة عشقنا، وعينيكِ تأشيرةَ دخولي إلى قلبك.

**                  ** **

-       وأين سارة حتى تتزوجها؟

- إنها هنا في صدري.. تبكي. تغتصب السعادة من شراييني. أهدهدها فتنام.. أغني لها فترقص فرحاً. أُجدلُ لها شعرها كروماً من عنب الحُب.

**

لعنة الله على الفقر. ما تخاصم حبيبان في الدنيا إلا، والفقر ثالثهما.

**

 (البكاء على صدر من نُحب يجعل آلامنا أكثر متعة).

**

كنت أحبها يا زهدي، وكنت أكرهها، لا تقل لي إن المنطق يقول إن الشيء وضده لا يلتقيان في اللحظةِ نفسِها، والمكان نفسه، فالحب فوق القوانين الأرضية، تتعطل عندما يأتينا كل الصفات.

تمنيت ان أصارحك وقتها، ان ابكي بين يديك (لماذا يجعلنا الحب نشعر بالمتعة عندما نبكي؟)، لكنني لم أجرؤ على ذلك.

**

  لماذا يقسم الوطن أبناءه إلى سارق ومسروق؟ ناهب ومنهوب؟ مغتصِب ومغتصَب؟ ألا يمكن أن يختفي الظلم من الدنيا؟

  لماذا يُملِّكونا حق الزراعة، ويُحرِّموا علينا القطاف؟ لماذا نعرق ليأكلوا؟ ونموت ليعيشوا؟ وندفن رغباتنا، لتسطع شموس شهواتهم؟

  **

قلت له إنه لا يكفي ان تكون محامياً وتفهم في القانون كي تطبق القانون، فالقانون في بلادنا حسب التعريف الذي توصلت إليه هو: (ذلك الشيء الذي يكون تحت أقدام الأقوياء، وفوق رؤوس الضعفاء).

لو كان الحق يأتي بمجرد وجود محامي، لحلت ثلاثة أرباع مشاكلنا، لكننا نعيش في وطن يفرض القانون ليحمي الأقوياء من الحق، قانون مُفصلٌ تفصيلاً، حاكته أيدٍ ماهرة محترفة.

**

إنه الحب الجارف يا سارة، يا ليتني أخسر الدنيا وأكسبك، يا ليتني أغوص في أعماق البحر الذي احتواك، اسكن بجانبك محارة، أحرسك من برد الخوف بدفء عيني.

**

في هذا الزمن الذي انقلبت فيه المعايير، حتى الفصول صارت تحترف الكذب، لقد جاءنا الخريف هتك بكارة ربيعنا، قبل أن تنضج أنوثة حياتنا، إنه السراب زمن السراب الذي نقضي فيه حياتنا نُلاحق أشياء وأشياء، ثم تكتشف أن كل ما تخيلناه كان محض سراب، نجلس نبكيه  بحرقة.

**

ولكن زميله ابتدرني بالقول:

الواقع يا سيدي أن الأستاذ عباس رجل وطني، يحب هذا الوطن، ويعمل من أجله (زهدي قال لي مرة: الوطنية في تعريف أبناء السيدة يعني أن يصبَّ الوطن كل خيراته في جيوبهم. وقال لي مرة أخرى: اعتقد أحْيَاناً ان أبناء السيدة صادقون في وطنيتهم، فهم مثل الصوفيين في الحب والوله – مع فارق التشبيه– ونتيجة لهذا الحب الجارف يتماهون مع الوطن  إلى درجة انهم لا يستطيعون التفريق بين خزائنه، وجيوبهم.

 

 

 

 

 

 

 الأنثى قبل الأخيرة

أنا عباس.كتلة لحمية ضامرة، وثقل لا متناهٍ من الآلام، والأحزان. لا أدري لماذا تُطاردني الآلام والأحزان، وكأنها عاشقة أقسمت إلا أن تبقى ملتصقةً بحياة عشيقها. قد تظنون انني مريض نفسياً إذا قلت لكم إنني أشك بوجود علاقة ما ربما تكون علنية أو سرية - لا أدري- بين أحلامي، وأحزاني.

في ذَلِكَ اليوم كنت أسير أنَا، وأنت يا زهدي على شاطئ البحر؟ وقتها كَانَتْ الشمس تُودع البحر بابتسامة حمراء، وكان البحر يغني بحزن مودعاً رفيقة يومه؟

حينها أردت أن أقول لك كلمات جميلة. هزتني أمواج البحر المتلاطمة المحتجة على مغيب الشمس، وبدأت حمم قلبي تتحرك للخروج.

لكنني كالعادة ما سمحتُ لأمواج الكلمات المجُسدة للمشاعر بالخروج. لفت نظري صوتٌ قادم من مكان قريب.

كانت هناك صخرة كبيرة تحجب عنا مُتحابين يتمتمان بكلمات حزينة، منذ أن طَرَقت قلبي أولُ كلمة من كلمات الفتاة الواقفة هناك، شعرت أنَّ وراءَ ذلكَ الصوتِ ميراثَ قرنٍ من الألمِ، والحزن. قالت الفتاة للشاب بصوت باكٍ:

-هل ستتركني هكذا وحيدة؟

قال الشاب بلهجةٍ مشحونة بالتردد، والخوف:

- إنها الحياة القاسية تفرق بين الأحباب.

- وحبنا؟

- لكنه الواقع!

- عن أي واقع تتحدث؟

- أحلامي هناك، هل اتركها؟

- عن أي أحلام تتحدث؟ هل تترك خطيبتك لتهاجرَ إلى بلد آخر؟

- كان أمامي خياران؛ إما البقاء معك، لتستمر خطبتنا سنوات، ولا نستطيع الزواج، أو أن أهاجر لأحقق ذاتي.

- خائن.

وغاب صوتها. شاهدتها تركض نحو البحر، تصرخ صامتة. تبكي مثلي في داخلها، ثم ترمي بنفسها إلى البحر. أدرك خطيبها أنها تنوي الانتحار، وخمَّن زهدي ذلك، وحدثتني مشاعري بكل ما سيحدث.

ركض خطيبها وراءها مُطلقاً صرخات مذعورة، وركض زهدي. لكن أنا لم أحرك ساكِناً. أخذت كلماتها ترنُّ في أذني، صداها يمزق صدري. كلمة خائن حطمتني! هل شاهدتم إنساناً تُحطمه الكلمات؟ لو سمعتم تلك الكلمات، وهي تخرج من فمها! لا

المزيد