الجزء الثاني من رواية الأنثى قبل الأخيرة
تأليف: محمود أبو فروة الرجبي
علما ان هَذِهِ الرواية من المتوقع ان تصدر فِي بداية العام 2007 بإذن الله
اذا اردت ان تقرأ الجزء الاول راجع زاية كتب قادمة في هذا الموقع
بكت، وقالت لي إنها لا تصدق انني هو. لقد كذبت عليها، كشف كلامها لي كلَّ ما أشكو منه. تذكرت الجامعة. باعَ أبي كل شيء ليدفع أقساط دراستي. مجدي، كان تلميذاً كسولاً في المدرسة، يدخن، ولا يلتزم بقوانينها، ورغم ذلك حصل على بعثة دراسية مجانية، وراتب شهري من الحكومة.
صديقي زهدي كانَ متحمساً، لكنه لم يتعلم. لقد سرقوا منه حلمه، وقدموه على طبق من ذهب لغيره، وعلي، اغتالوا له طموحه. آه كم أكره الفقر، والضعف! هل حقاً يُحبُّ أبناء السيدةِ الأرضَ كما نُحبها؟
زهدي قال لي إن الوطنَ في عيون البسطاء قمرٌ جميل، يتغنَّى به العشاق ليل نهار.
أبناء السيدة يحبون الوطن لكن لحبهم لون آخر، انهم يرونه مزرعة يزرعها البسطاءُ بدمائهم، وعرقهم، ليقطفوا ثمارها هم.
زهدي كان يفرق بين الناس، وكان يقول إنهم نوعان؛ أبناء سيدة، وأبناء جارية. أناس مساكين، وأناس أقوياء.
تذكرت هذا فقلت لسارة:
- حتى وإن شوهوا الوطن، يمكننا أن ننسج من خيوط حبنا وطناً أجمل.
ابتسمت سارة، ولمعت في وجهها بارقة حزن، وقالت:
- السماسرة لا يموتون أبداً، إنهم يبدلون وجوههم فقط.
جاءني زهدي مرة أخرى اقترح علي أن يصطحبني إلى إحدى المناطق الأثرية. وافقتُ فوراً، رغم أنني اعرف انه يخُطط لإبعادي عن سارة، وجو سارة، لقد سمعت أمي تقول له:
- خذه بعيداً إلى أي مكان، لعله يُشفى من مرضه.
سرت معْهُ. ندمت. سارة لا تأتيني إلا في غرفتي. ماذا ستقول عندما تأتي، فلا تجدني؟ ما هي الظنون التي ستفقس، وتُفرخ في حاضنات عقلها؟ هل ستظن أنني تركتها، وهاجرت؟ آه لو أنني تركت لها رسالة أخبرها فيها أنني سأعود!
سارت بنا الحافلةُ بعيداً. كان زهدي يجلس بجانبي صامتاً. عيناهُ تحلقان بعيداً. اعلم انه يفكر بي، ويُخطط لشفائي. أنا لست مريضاً. أقسم ان سارة لم تمت. إنهم لا يصدقوني. أنا امتلك قلب شاعر، وقلب الشاعر لا يخطئ أبداً. من قال إن الحواس خمس؟ لماذا لا يعترف الناس بحاسة المشاعر؟ أنا أرى سارة بمشاعري، أرسمها بدموعي، اخط لها عينين جميلتين. حقاً سأكونُ سعيداً لو عرفت لون عينيها!
اختلست النظرَ نحو زهدي, كَانَ ما زال صامتاً لا يتحدث. كانت ملامحه تصرخ بألم. كم أحبك يا زهدي! رغم انك لم تصدقني. اعرف انك تحبني وتثق بي، لكنني إنسان مبعثر، لقد بعثرتني سارة، ولن يُلملمني سوى الموت.
آهٍ يا زهدي كم هي مرهفةٌ مشاعرك! يداكَ مشققتان من العمل، وجهك ملفوح بشمس الوطن الجميلة، كم كنت تحب الدراسة والعلم! كانت الهندسة حبك الأول. كنا في المدرسة نملأ دفاترنا، وكتبنا بأسماء من نحب. أنا أحببت أميرة، وناريمان، وكوثر، ووو…
كتبي كانت تتحدث عنهن بإسهاب، ما تركت جذع شجرة، ولا حائطا مُقاما إلا وحفرتُ أسماءهن عليه.
أنت لم تحب مثلي، أو أنك أحببت، وأخفيت اسم من تحب. أنت ماهر في هذا الشيء أكثر مني، فقط كُنت تكتب في أعلى كل دفتر من دفاترك عبارة مشحونة بكل













