لقاء مَع كاتب الأطفال محمود أبو فروة الرجبي
مجلة أحوال المعرفة السعودية
· عُقدت عدة ندوات ومهرجانات وحوارات حول أدب الطفل في كل أنحاء الوطن العربي ، وفاز أحد رواده "عبدالتواب يوسف " بجائزة الملك فيصل العالمية .. لكن المشكلة مازالت قائمة ، فالطفل يندفع نحو أفلام الصور المتحركة المدبلجة أو الكتب المترجمة .. أين الخلل ؟
هُنَاكَ منافسة غير عادلة بَيْنَ كتب الأطفال وما يقدم عَلَى الشاشة، وَفِي هَذَا تحد كبير لكتاب الأطفال الَّذِينَ يقدمون أدبهم من خِلالَ بعد واحد وهوَ السرد، بَيْنَمَا تقدم البرامج التلفازية عن طريق الصوت والصورة، وأخيراً جاءت الألعاب التفاعلية من خِلالَ الحاسوب والإنترنت لتضيف تَحدِّياً آخر، وهوَ ان الطفل يستطيع ان يشارك فِي هَذِهِ الألعاب، ويتفاعل معها، بَيْنَمَا الكتاب اخرس صامت، لا يستطيع ان يتفاعل مَع الطفل أوْ يجذبه كَثِيراً.
عَلَى كل.. أنا لست مُتشائماً، الحاسوب والإنترنت والتطورات التقنية ستفيد الأدب ولكن بعد الانتهاء من الصدمة التي أصابتنا، فبعد مرور هَذِهِ الموجة العاتية، سيعود الطفل إلى الكتاب، إذا لقي بعض الشروط الموضوعية التي تعتمد عَلَى التشجيع، ووجود برامج حقيقية قادرة عَلَى جعل الكتاب خُبْزاً يومياً للطفل.
لو نظرنا إلى تجربة الغرب فِي تشجيع الأطفال عَلَى القراءة، سنجد ان لديهم طفلاً قارئا، وكتب أطفال تباع بالملايين، وَمَع ذَلِكَ فَهُنَاكَ تلفاز، وحاسوب وإنترنت، والسبب باعتقادي هُوَ الوعي الَّذِي تمتلكه العائلة، والتي تجعل هُنَاكَ أوقاتاً مُعَيَّنَة ومقدسة لا يُمْكِنُ التنازل عَنَهَا للقراءة، كما ان هُنَاكَ برامج وخطط تنفذ داخل الأسرة لجعل الطفل قارئا، إضافة إلى وجود مكتبات عامة ومجانية فِي حتى فِي الأحياء الصغيرة.
لن أقول ان الطفل العربي سيترك الكتاب ليتجه إلى التلفاز والإنترنت، والسبب ببساطة ان الطفل العربي بِشَكلٍ عام لم يَكُنْ فِي يوم من الأيام مَع الكتاب ليتركه الآن.
هُنَاكَ فئة أوْ طبقة فِي المجتمعات العربية تهتم بادب الأطفال، ومعظم أعضاء هَذِهِ الطبقة يتجهون إلى الكتب المترجمة، أوْ تلك التي تصدر بلغتها الأصلية، والسبب انهم يجدون فِي تلك الكتب متعة كبيرة، وإخراجا فنيا رَاقِياً، ولا ننس هُنَا ان بعض العرب يلجأون إلى أدب الأطفال والقراءة الأجنبية من أجل تقوية اللغة الأجنبية عند أطفالهم.
عَلَى كل.. نحن نعاني من مُشْكِلة عامة بالتعامل مَع الكتاب، وَرُبَّمَا أقول – رُبَّمَا – كَانَ وضع الطفل مَع الكتاب افضل من وضعه مَع البالغين من العرب الَّذِينَ يندر ان تجد بينهم قَارئاً.
ولن تنفع المهرجانات والندوات، إذا لم يَكُنْ هُنَاكَ برنامجا عمليا لتشجيع القراءة، والكتابة للأطفال.
· قبل أكثر من نصف ، قرن سادت قصص وسلاسل للأطفال ، ألّفها وترجمها ، رائدا أدب الطفل العربي : كامل الكيلاني وعبدالحميد السحار .. إعتنى بها الأطفال حينها ، ثم تلاهما قلة علقوا في فخ التقليد .. واليوم ساحة أدب الطفل العربي فارغة إلا من محاولات متناثرة .. ما هي الأسباب في نظرك ؟
المحاولات كثيرة، وَهُنَاكَ أقلام تناضل من أجل إثبات ذاتها، لكن الوسيلة التي يصل بِهَا هَذَا الأدب للأطفال مَا زالت دُونَ المستوى المطلوب، لا يُمْكِنُ القول انه لَيْسَ هُنَاكَ سلاسل قصص جيدة فِي السوق العربي، ولكن نستطيع ان نصيغ هَذِهِ الحقيقة عَلَى شكل ان هُنَاكَ عدد كبير من القصص والسلاسل، ولكنها لا تجد مؤسسات قوية قادرة عَلَى تسويقها فِي الوطن العربي كله، وللأسف فإنَّ المؤسسات العربية القوية فِي مجال إنتاج كتب الأطفال تنتج كُتباً مترجمة، والسيء فِي الأمر ان هؤلاء الناشرين التجار لا يجدون سوى قصص مُعَيَّنَة يكررون ترجمتها وبيعها، اعْتِمَاداً عَلَى انها تجد قَبولاً لدى الأطفال، والناشر فِي بلادنا يسعى إلى قطف ثمار نجاح غيره من الناشرين فِي البلاد الغربية، وللآن لم اجد ناشراً يعمل عَلَى (صنع النجاح)، فلو تبنى أحد الناشرين إبداعات أحد الكتاب المتميزين، وقام بالترويج لِهَذَا الكاتب واعماله، فَلا بد ان تنتشر هَذِهِ الكتابات بَيْنَ النَّاس، لكن الَّذِي يحصل هُوَ اننا نطبع كُتباً، ونضعها فِي المخازن، وننتظر من النَّاس ان تأتي وتشتريها، وَفِي الوقت نفسه لا نقوم بما يلزم من أجل الدعاية، والترويج والتلميع لَهَا، ثم نحكم عَلَى التجربة بالفشل، مَع اننا لم نصنع عشرة بالمائة من الشروط الموضوعية التي تجعل العمل نَاجِحَاً، لنقول بعد ذَلِكَ اننا حاولنا وفشلنا. تصور حتى المطربين وأنا مضطر إلى عقد هَذِهِ المقارنة، تنفق شركات الإنتاج عشرات الألوف من الدولارات للترويج لأعمالهم، وتستضيفهم الفضائيات، وتعمل المجلات اللقاءات معهم، ومن هُنَا تنتشر أعمالهم وتجد لَهَا طَلَباً عند النَّاس، واعتقد لو ان هُنَاكَ كِتاباً وجد عُشر مَا يجده أي مؤدي أغاني من رعاية ودعاية وعناية، لباع وانتشر بِشَكلٍ مرض.
شَخْصَيا لي أكثر من أربع عشرة كِتاباً للأطفال، ونشرت مَا يزيد عن الخمسمائة قصة وسيناريو فِي مجلات الأطفال وَعَلَى رأسها مجلة ماجد الظبيانية، وفاز كتابي (حِينَمَا تصالحت مَع جدي) بالجائزة الأولى فِي مسابقة الشيخة فاطمة بنت هزاع ال نهيان الاماراتية، وتم اختياره من بَيْنَ أربعمائة كتاب، ولي منهاج منتشر فِي تعليم كتابة قصة الأطفال للأطفال والكبار، وَمَع ذَلِكَ لا أجد ناشراً يرضى بنشر كتبي، دُونَ ان يمارس علي كل أنواع الإرهاب الفكري والأدبي، والمالي، إذا فالمعادلة فِيها خلل، والكاتب هُوَ الضحية، وَفِي النهاية.. تظهر الصورة وكأنه لا يوجد عندنا أدب أطفال، ولا أدباء أطفال متميزون.
بصراحة تحتاج صناعة أدب أطفال عربي حقيقي مؤثر إلى مؤسسات حقيقية قوية، وليس مؤسسات استعراضية هدفها الدعاية أكثر من الإنجاز، أراهن عَلَى اننا بمبالغ بسيطة، وبإرادة قوية من أصحاب القرار قادرون عَلَى صنع هَذَا الأدب، وأنا عندي مشروع بُح صوتي وأنا أتحدث بِهِ لعمل ثورة حقيقية تصنع بيننا طفلاً قَارئاً من الطراز الأول، وَكَذَلِكَ كاتباً مُبْدِعاً فِي هَذَا المجال، لكن.. من يسمع؟
· تتصدرالقصة التاريخية الإسلامية قوائم أدب الطفل العربي .. ماهي العوامل التي جعلتها في الصدارة .. ورغم أهميتها ، فهل نحتاج إلى جانبها إلى موضوعات وقوالب أخرى تخاطب خيال وذهنية الطفل ؟
اختلف مَع هَذِهِ المقولة من ناحيتين.. من الناحية الأولى تزداد مبيعات القصة التاريخية الإسلامية لأنَّ الأهل الَّذِينَ يشترون لأبنائهم كُتباً يحبون هَذِهِ القصص، ولكن الأطفال للأسف لا يجدون فِيها الاثارة الكافية، مَع ان التاريخ الإسلامي خصب وَيُمْكِنُ الرجوع إليه وتقديم قصص قادرة عَلَى منافسة أجمل القصص فِي العالم من خِلالِهِ، إلى اننا للأسف فشلنا فِي هَذَا العمل، لو نظرت إلى القصة التاريخية الإسلامية ستجد انها تركز عَلَى عدد من القصص المكررة التي تنشر فِي كل عام وبعدة اشكال وطبعات، بل ان معظم دور النشر التي تتعامل مَع هَذَا النوع من الأدب تنشر القصص نفسها، رغم ان تسعة وتسعين بالمائة من التاريخ الإسلامي لم تتم تغطيته فِي هَذَا المجال، والسبب هُوَ جشع بعض الناشرين الَّذِينَ يبحثون عن النجاح الجاهز كما قلت، وللادباء أيضاً دور كبير فِي ذَلِكَ.
يحتاج الطفل إلى التعامل مَع مختلف أنواع القصص، وَكُلَّمَا نوَّعنا فِيها كَانَتْ الوجبة التي تقدم لَهُ متكاملة، ومفيدة لنموه الوجداني والعقلي، فأنا مَع تقديم القصص الاجتماعية، وتلك التي تركز عَلَى الخيال العلمي، والعلم، والثقافة وغيرها من الأمور، كما انه لا بُدَّ من الإشارة إلى ان أدب الأطفال العربي مَا زال يفتقر إلى













