أهل الفن.. هَلْ هم بعيدون عَنْ الدين؟

أيلول 9th, 2007 كتبها محمود أبو فروة الرجبي نشر في , لقاءات مع آخرين

 

أهل الفن.. هَلْ هم بعيدون عَنْ الدين؟

محمود أبو فروة الرجبي

( لقاءات في صحيفة الغد اجراها مَحْمُود أبُو فَروةَ الرَّجَبي)

     هُنَاكَ علاقة سلبية بَيْنَ التدين والفنانين في الصورة النمطية عند النَّاس، ويعزو الكثيرون أسبابها إلى ممارسات سلبية سادت لَدَى بعض الفنانين فِي فترات زمنية مختلفة، وآخرون يقولون ان الفنانين مثلهم مثل أي فئة فِي المجتمع فيهم الصالح والطالح، وَلَكِن الإعلام الَّذِي يطاردهم دائماً هُوَ الَّذِي يضخم سلبياتهم، ويرميها للناس، ليقوم الخيال الشعبي الخصب بتكبيرها وتضخيمها، ونسج الأساطير والقصص الخيالية حولها.

     وَمَهْمَا يكن مِن أمر، فإن المتتبع لمسار الفن فِي العالم العربي يلاحظ وجود مسارين يسيران بالتوازي، التزام، وأخلاق لَدَى عدد لا بأس بِهِ مِن الفنانين، والفنانات، وَفِي المقابل نجد انحدارا أخلاقياً خطيرا، خاصة بَعْدَ تفشي ظاهرة الفيديو كليب الَّتي أخرجت وبإجماع النَّاس الفن مِن ثوبه الروحي الجميل، وقيمه الشفافة.

      فِيمَا يأتي لقاءات مَع عدد مِن الفنانين الأردنيين، لنتعرف عَلَى علاقتهم بالدين، وقيمه وشعائره.

الفنانة قمر الصفدي: هناك صورة سلبية عَنْ الفن وأهله

أنَا لا ألوم مِن يأخذ صورة سلبية عَنْ الفن لأن الَّذِي يشاهد مَا يبث هَذِهِ الأيام عَلَى الفضائيات، واقصد الأغاني والمناظر التي تصاحبها، وهِيَ بعيدة عَنْ الدين والخلق، يأخذ صورة سلبية عَنْ الفن وأهله. للأسف فإن مَا نراه نخاف مِنْهُ، لأنَّ هُنَاكَ تدهورا أخلاقيا كبيرا وصل إليه الفيديو كليب، وأصبح الشباب ينظرون إليه ليْسَ للاستماع مِن أجل الميزة الروحية، بل مِن أجل الفرجة فَقَطْ، عَلَى الأجساد والحركات، وأحياناً تجد الشباب المثقف يستهزئ بما يرى، ويفتش عَنْ قناة أخْرَى تحترم عقله. للأسف فإن هَذَا هُوَ الفن الرائج هَذِهِ الأيام، وأصبح المفهوم ان مِن يعمل فِي الفن يَكُون بَعِيداً عَنْ الخلق السليم، بَيْنَمَا الدين موجود فِي كل إنسان بغض النظر عَنْ مهنته، وهُوَ إما يغذي هَذِهِ الفطرة أوْ يقضي عَلَيْهَا، وإذا وُجِدَ عند الإنسان الإيمان بالله أولاً، ثمَّ بأنه حصل هُنَاكَ اتصال مَع مِن فِي الأرض عَنْ طريق الأنبياء، والكتب السماوية، وبعدها الإيمان بأن القرآن الكريم منـزل مِن عند الله، فإن الإنسان يسير فِي هَذَا الطريق ويصل إلى الهداية. الفنانون فِي النهاية هم بشر، ومثلهم مثل النَّاس الآخرين، ففيهم المتدينون، والمؤمنون، وَالَّذِينَ يؤدون الفرائض الدينية، وَهُنَاكَ مِن يتجاهلها مثل النَّاس العاديين، لَكِن لنتكلم عَنْ وسطنا، الوسط الفني الأردني مِن حولي مِن الزملاء والزميلات، تسر وَأنْتَ تراهم يصلون فِي وقت الصلاة،

المزيد


الهجوم على سنة الرسول

تشرين الأول 11th, 2006 كتبها محمود أبو فروة الرجبي نشر في , لقاءات مع آخرين

أسئلة حائرة حَوْلَ الهجمة عَلَى الأحاديث النبوية

حوار مَع الدكتور مُحَمّد سعيد حوى - أستاذ مساعد في الحديث النبوي ـ جامعة مؤتة ـ الأردن.

اجرى الحوار: محمود أبو فروة الرجبي

تثار حول السنة النبوية وَمُنْذُ مئات السنين العديد من الاسئلة المحيرة عن مكانتها فِي التشريع ومدى صحتها، ومعظم هذه الاسئلة تطرح من باب التشكيك بثاني أهم مصادر التشريع الإسلامي السنة النبوية، والقليل منها، يطرحه بعض الجادين، بِهَدَفِ الوصول إلى إجابات لأسئلة حائرة. فِيمَا يأتي بعض من هذه الإجابات التي تفضل بالإجابة عليها فضيلة الدكتور محمد سعيد حوى، وهوَ من العلماء الشباب الَّذِينَ يبذلون الغالي والنفيس فِي دراسة السنة، وتمحيصها، والدفاع عنها، وَلا بُدَّ من التذكير إلى انه يعمل استاذا مساعدا فِي الحديث النبوي فِي جامعة مؤتة.

السؤال الأول

 هَلْ الهجمة الشرسة عَلَى السنة النبوية ومحاولة استبعادها هِيَ حملة جديدة أم لَهَا جذور تاريخية ؟

الدكتور حوى:

بداية أود أن أؤكد أن السنة مصدر ثابت من مصادر التشريع، وأن مكانتها من القضايا الأساسية البديهية القطعية، وما أكثر الأدلة والبراهين النقلية والعقلية القطعية على ذلك.

 فلئن كان القرآن قطعياً في ثبوته لا يمكن لمسلم يدعي الإسلام أن ينكر حرفاً منه، فلقد وجه القرآن إلى الأخذ بكل ما جاء عن رسول الله r :

﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 20].

﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتُبيِّن للناس ما نُزِّلَ إليهم ولعلهم يتفكرون ﴾ [النحل: 44].

﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ [النساء: 80].

إلى غير ذلك من النصوص القرآنية الكثيرة التي تؤكد وجوب طاعة رسول الله r ، والأخذ بجميع ما صدر عنه r .

ولذلك نستطيع الجزم بكل طمأنينة أنه لا نزاع ولا شك عند كل من ينتسب إلى الإسلام صادقاً أن حجية السنة ضرورة دينية، والواقع أنه لم يقع خلاف أبداً في أصل هذه المسألة بين المسلمين قاطبة.

إنما الخلاف الذي وقع حقيقة وبعد التأمل في مقولات كل المدارس والمذاهب الإسلامية ـ سنيها ومعتزلها وشيعيها، سلفها وخلفها ـ في ثبوت حديث ما، أنه صدر عن رسول الله r أم لم يصدر، وهذا الاختلاف في ثبوت حديث لا يعني رد السنة ابتداءً عند أي طرف في الحقيقة.

كما أن هذا الاختلاف إنما هو بالنسبة للتابعين فمن بعدهم، أما الصحابي فقد تهيأ له أن يسمع من رسول الله r مباشرة فكان الأمر في حقه قطعياً وحجة مطلقة، يكفر لو ردها ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾، ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾.

ثم إن بعض الصحابة قد يغيب عن مشهد ولا يبلغه الحديث مباشرة فيحتاج إلى التثبت من ورود النص عن رسول الله r .

 إذن في حقيقة الأمر الاختلاف بين المسلمين في الطريق التي تعتمد في إثبات صدور السنة أو الحديث عن رسول الله r ، وهذا الاختلاف في الحقيقة ليس اختلافاً في حجية السنة، وما ينسب إلى المتقدمين من إنكار للسنة في الحقيقة ظلم لهم.

وإنما يفعل ذلك بعض الناس إما ليهاجم خصماً، أو ليشوه موقفه، فيتهمه بأنه منكر للسنة، أو لأن الخصم أو المخالف رد بعض الأحكام الثابتة عند الآخر، وهي صادرة عن رسول الله r ، فيظن أن ذلك إنكار للسنة، وليس الأمر كذلك.

ولقد بسط هذا البحث الدكتور السباعي في كتابه « السنة ومكانتها في التشريع » ص 149 وما بعدها، والأستاذ عبد الغني عبد الخالق في كتابه « حجية السنة » ص 245 وما بعدها، والدكتور الأعظمي في كتابه « دراسات » ص 22 وما بعدها.

لا شك أن الاختلاف في قواعد الأخذ بالسنة كان كبيراً في بعض الحالات، كالذين اشترطوا التواتر، ولهم أدلتهم غير المقبولة، التي أجاب عنها الأئمة، كما فعل الشافعي في كتابه « الرسالة ».

لكن مهما يكن من أمر فهذا لا يجوز لنا أن ندعي أن أحداً من علماء الإسلام أو المسلمين المتقدمين عدوٌّ للسنة أو يرفض السنة أو ينكرها، ولا يجوز لأحد من المتأخرين أن يعتمد عليهم في رد السنة.

أما الهجمة المعاصرة فهي نوعان:

الأول: كالسابقين لا يقصدون رد السنة ولا إنكارها، ولا هم أعداء لها بحال من الأحوال، إنما وجدت عبارات لبعض العلماء في سياق ما؛ استغلت بشكل سيء من الأعداء أو الخصوم، كما نقل عن محمد عبده قوله: « إن المسلمين ليس لهم إمام في هذا العصر غير القرآن، وإن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول قبل الفتن » انظر: « دراسات » ص 26.

والواقع أن مراد الإمام كقول القائل: القرآن دستورنا، وقوله: « وإن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول » يوضح أن القرآن والسنة هما المرجعية للمسلمين، لأن الصدر الأول عمل بهما ورجع إليهما، ثم إن اعتبار القرآن إماماً يعني الأخذَ بالسنة، لأن القرآن وَجَّه إلى طاعة رسول الله r .

وكذا ما نقل عن رشيد رضا، إنما يقصد أن المرجع الذي يصدر عنه المسلمون ولا يحيدون عنه هو الذي يعصم الفكر من الخطإ، والسلوك من الانحراف، وينقذ الأمة من وهدتها في خضم الصراعات المضطربة؛ إنما هو القرآن، وغاية ما دعا إليه رشيد رضا هو التحقيق والتدقيق في أحاديث الآحاد.

ولا يجوز تحميل كلامه أكثر مما يحتمل، انظر: كتاب « السنة ومكانتها » ص 42 و « دراسات » ص 27.

النوع الثاني: إنما كانت هناك بعض الدعوات من مثل أبي ريه في كتابه « أضواء على السنة »، وتوفيق صدقي في مقال له في مجلة المنار، وأحمد أمين في كتابه « فجر الإسلام » وإسماعيل أدهم في رسالة له، وبعض المنتسبين للعلم في القارة الهندية وغيرهم ما يفيد التشكيك بمجمل السنة النبوية.

وإنني أقول الآن: لا بد من دراسة آرائهم بدقة، فبعض هؤلاء أيضاً لا يقصد مطلق إنكار السنة، وإنما شكك بطرق ثبوتها، ولكنهم لا شك انحرفوا، وأثاروا شبهات لا تمتّ للعلم والتحقيق بصلة، ولم تكن غايات بعضهم سليمة، ولا أهدافهم نبيلة.

وهكذا نجد أن بعض المعاصرين الذين شككوا بمجمل السنة لا رصيد لهم في التاريخ، بل هم مبتوتوا الصلة تماماً عن الأمة ومنهجِ تعاملها مع السنة.

وإننا وإن كنا نخالف منهج المعتزلة وغيرهم في طرق اعتماد السنة، لكننا لا نستطيع أن نصنّفهم في دائرة الخصوم والأعداء للسنة، إنما هو اجتهاد خاطئ ولا شك، على خلاف بعض المعاصرين.

السؤال الثاني

  هَلْ تعتقد ان هُنَاكَ من المسلمين من وقع بحسن نية فِي حبائل أصحاب هَذِهِ الدعوات، فراح يدعو مثلما يدعون، رداً عَلَى محاولات التزوير التي وقعت لبعض الأحاديث النبوية خاصة ؟

الدكتور حوى:

عندما تسأل هل هناك أحد من المسلمين وقع في حبائل من يدعو إلى رد السنة؛ فلا يصح أن نتكلم عن أي إنسان، إنما نتكلم عمن كان من أهل العلم والاجتهاد والنقد والاختصاص، فليس أي إنسان تكلم في هذا الشأن يؤبه له أو يهتم لكلامه.

وعلى هذا فلو أجلنا النظر في علماء الأمة واستعرضنا كتاباتهم ومقالاتهم أستطيع القول بكل جزم ويقين: إن أحداً من علماء الأمة المعدودين المعتبرين لم يتأثر بتلك الدعوات.

وما صدر عن بعضهم إنما هو اجتهاد في فهم النصوص، أو نقدها في إطار القواعد العامة المعتبرة.

السؤال الثالث

 ما هُوَ الرد عَلَى هَذِهِ شبهة لو أراد الله سبحانه وتعالى ان تَكُون السنة مصدراً للتشريع لحفظها كما حفظ القرآن الكريم، ولكن هَذَا لم يحصل.

الدكتور حوى:

حفظ اللهُ السنةَ حفظاً عاماً بأن هيأ لها أعلاماً يحملونها جيلاً عن جيل، والسنة كما هو معلوم منها ما هو متواتر لفظاً أو معنى، وهو الأقل، ومنها ما هو ظني، لكنه لم يختلف في صحته، فهو مما تلقته الأمة بالقبول، ومنها ما هو ظني مختلف فيه، والراجح ثبوته عند الجمهور، والأدلة العقلية والنقلية تشهد له، وكل هذا كافٍ في إثبات الأحكام الشرعية العملية، فبإجماع العلماء أن الدليل الظني الثبوت يكفي لإثبات الأحكام العملية من فروع العقائد والعبادات والمعاملات.

أما العقائد والأصول العامة فلا بد لها من الأدلة القطعية، لإقامة الحجة بها، ولا يعني هذا رد أحاديث الآحاد، وإنما يتعلق هذا بمسألة الحكم بالكفر أو الإيمان، فما لم يكن الدليل قطعياً لا يكفر منكره، وهذه الأدلة القطعية قد وجدت في القرآن الكريم،

المزيد


الاعجاز العددي في القرآن

آذار 19th, 2006 كتبها محمود أبو فروة الرجبي نشر في , لقاءات مع آخرين

 

مقابلة صحفية مع الباحث الأردني

 عبدالله إبراهيم جلغوم

الإعجاز العددي في القرآن الكريم ومعجزة الترتيب القرآني

  محمود أبو فروة الرجبي

مقدمة :

    يؤكد الباحث في إعجاز القرآن الأستاذ عبدالله جلغوم أن ترتيب سور القرآن وآياته هو معجزة القرآن التي ادخرها لهذا العصر , وأنه ترتيب يستند إلى قوانين وأنظمة رياضية تؤكد حفظ القرآن وعدم تعرضه لزيادة أو نقصان أو تحريف , في حين أن للعلماء في هذه المسألة عدة أقوال يوافق أحدها ما ذهب إليه الباحث . ويرى الأستاذ جلغوم أن ترتيب القرآن هو الرد القاطع على المفترين والمشككين بالقرآن , تسقط معه كل الشبهات التي أثيرت حول جمع القرآن وترتيبه قديما وحديثا ,كما أن فيه حسما لتضارب الأقوال في هذه المسألة . ويقول جلغوم إن المتدبر في ترتيب القرآن – بعيدا عن التعصب والمكابرة وأهواء النفس -  بغض النظر عن لغته ومعتقده يمكنه أن يكتشف بنفسه أن ترتيب القرآن دليل قاطع على أن القرآن هو كتاب الله المحفوظ وليس كتابا من تأليف محمد كما يزعم الملحدون والمشككون بالقرآن , ولن يحتاج في ذلك إلا إلى فهرس لسور القرآن  , دون أي استخدام للنص القرآني , وهنا يأتي دور المؤسسة الدينية والتي يطالبها الباحث بتبني هذا العمل وتوظيفه في خدمة القرآن وأهله ..

ومن الجدير بالذكر أن للباحث جلغوم ثلاثة كتب مطبوعة تدور كلها حول معجزة القرآن في ترتيبه وقد صدر الأول منها عام 1994  , وقد قامت عشرات المواقع الإسلامية بنشر أجزاء منه , كما قام مركز نون للدراسات الإسلامية بتدقيق أبحاث جلغوم وأعلن أنها صحيحة تماما واعتمدها في دراساته  .. وللباحث أيضا مجموعة رائعة من الأبحاث منشورة على مواقع الإنترنت منها معجم إحصائي مفصل لكلمات القرآن وآياته اعتمد من قبل الكثيرين ..

ورغم ذلك , فمن المستغرب أن الباحث جلغوم لم ينل من الاهتمام في بلده ما يليق بما قدمه من أبحاث رائعة غير مسبوقة …

هذه بعض الأسباب التي جعلتنا نحمل معنا بعض الأسئلة ونتوجه بها إلى الأستاذ جلغوم في محاولة منا لتقديم هذا الباحث للآخرين .. وكان لنا معه هذا اللقاء  :

 

السؤال الأول :

من الملاحظ انك قطعت شوطا بعيدا في أبحاثك عن ترتيب سور القرآن وآياته , عن البداية , كيف بدأت البحث , وكيف توصلت إلى هذه النتائج المبهرة فعلا ؟

إجابة : المصادفة كانت بداية رحلة طويلة مع البحث تزيد على عشر سنوات . قرأت في أحد الكتب الدينية أن عدد آيات سورة البقرة 286 آية وقيل 287 آية ,وقيل 285 آية ,كان ذلك مفاجأة لي , كنت أعتقد أنه لا وجود لأدنى اختلاف في عدد آيات سور القرآن , وأن القرآن قد رتب بناء على توجيهات كان ينقلها جبريل عليه السلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول بدوره ينقلها إلى كتبة الوحي .. كان يعين لهم موقع السورة والآية وهم بدورهم يكتبونها على النحو الذي بينها لهم .. لقد كانت تلك الملاحظة البسيطة السبب في كل ما اكتشفته فيما بعد, حيث ولدت لدي التساؤل عن سبب ذلك الاختلاف . ذهبت إلى إحدى المكتبات واشتريت كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي , المفاجأة الأكبر كانت ما يذكره السيوطي عن اختلاف القدماء في كثير من المسائل المتعلقة بترتيب القرآن , اختلاف في ترتيب سور القرآن , اختلاف في عدد آيات القرآن , اختلاف في عدد آيات أربع وسبعين سورة من سور القرآن , اختلاف في رسم القرآن .. ومسائل أخرى .

المشكلة أكبر مما حسبت ..لقد أصبح لدي عدد من الأسئلة وليس سؤالا واحدا , ما الصحيح من بين هذه الأقوال ؟ كيف يمكنني أن أجيب على تساؤل غير المسلم  مثلا عن عدد آيات القرآن ؟ هل أقول له لقد اختلف العلماء في عدد آيات القرآن , قيل كذا وقيل كذا  . وإذا سأل عن ترتيب سور القرآن , هل سأقول له : لقد اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن على ثلاثة أقوال قيل وقيل وقيل .. هل سأجيب على كل سؤال ب : قيل وقيل ؟

قلت في نفسي : لا بد أن أجد حلا فيما كتبه العلماء المتأخر ون , وبدأت البحث في المكتبات عن كتب تتناول هذه المسائل .. فماذا وجدت ؟إن أكثر الذين تناولوا هذه المسائل بالبحث من المعاصرين لم يخرجوا في أبحاثهم عما خلفه لنا القدماء , بعبارة أخرى لم يخرجوا عما كتبه السيوطي المتوفى سنة 911 هـ , والملاحظة الأخرى إن قليلها يغني عن كثيرها , وهي في أغلبها تكرار للقديم وإعادة إخراجها على نحو يوهم بالمعاصرة . لم أجد في أي منها إجابة لما أثارته مسألة ترتيب القرآن من تساؤلات .. ذهبت إلى الجامعة الأردنية وطرحت القضية على بعض المختصين , علمت منهم أنه لا يترتب على تلك الاختلافات زيادة أو نقصان في كتاب الله , فسواء أكان عدد الآيات كذا أو كذا فالقرآن كتاب الله الكريم المحفوظ . ومسألة الاختلاف في ترتيب سور القرآن ليست بهذه الأهمية , وأن القرآن كتاب هداية وإرشاد ….. أسئلة أخرى جديدة تولدت لدي لم أجد لها جوابا .. أريد رأيا أطمئن إليه وأقتنع به , ما الحل ؟

سؤال :وهل وجدت الحل ؟

جواب : بعد اطلاعي على عدة كتب تناول أصحابها مسألة ترتيب القرآن , أثارت لدي أسئلة مهمة : ما الحكمة من ترتيب القرآن على نحو مغاير لترتيب النزول ؟ ما الحكمة من ترتيب هذه السورة هنا وهذه هناك ؟ ما الحكمة أن يكون في القرآن سورة كسورة البقرة عدد آياتها 286 آية وهناك سور تتألف الواحدة من ثلاث آيات ؟ ما تعريف السورة الطويلة والسورة القصيرة ؟ هل سورة الأنفال وسورة التوبة سورتان أم سورة واحدة ؟ ما عدد آيات القرآن ؟ ما الذي كان يهدف إليه جبريل من تعيينه لمواقع الآيات والسور  للرسول صلى الله عليه وسلم ؟ كيف يتفق هذا مع تضارب الأقوال في المسألة الواحدة ,  ما عدد كلمات القرآن ؟ ما السر في تجميع السور القصيرة في آخر المصحف والطويلة في أوله ؟ ..وأسئلة أخرى  لم أجد لها جوابا شافيا في كل الكتب التي رجعت اليها . 

قلت في نفسي : القرآن كتاب الله المحفوظ , ولا بد أن يكون لهذا الكتاب ترتيب يليق بصاحبه ويدل عليه ,إن كل شي في هذا الكون يخضع إلى ترتيب محكم ابتداء من الذرة وانتهاء بالمجرة , أفلا يكون القرآن مرتبا ؟ إنه كتاب الله وكفى , لا بد أن يكون محكم الترتيب بل معجزا في ترتيبه , ولا بد أن يكون فيه من الأسرار ما فيه إجابة لكل تساؤلاتي , إذن الحل هو القرآن نفسه بعيدا عن اجتهادات المجتهدين وتضارب الأقوال . لقد قررت أن ابحث عن ترتيب القرآن في القرآن نفسه منطلقا من قناعة بأن القرآن محفوظ بتعهد من الله , ولا بد أن يكون فيه من الأسرار ما يؤكد هذا الحفظ ..

سؤال : ماذا فعلت ؟ وما المصحف الذي اعتمدت عليه ؟

جواب : اعتمدت المصحف بالرسم العثماني برواية حفص عن عاصم وهو المتداول بين أيدينا حاليا ( مصحف المدينة )   .. قررت أولا أن أعد كلمات القرآن  آية آية وسورة سورة , وبدأت فعلا  عملية إحصائية دامت خمس سنوات , وأتممت العمل وراجعته مرارا  حتى تأكدت من دقته .. وكنت كلما عثرت على ملاحظة أعتبرها مثيرة أسجلها .. مثلا : لاحظت أن سورة القلم هي السورة الوحيدة من بين السور المفتتحة بالحروف المقطعة مرتبة في النصف الثاني من القرآن بينما السور الباقية في النصف الأول , لماذا ؟ ما السر ؟ عدد آيات سورة البقرة  أطول سور القرآن 286 آية , لماذا تكون بهذا الطول ؟ ما السر ؟  لقد تم تجميع السور القصيرة في آخر المصحف , ما السر ؟ .. وغير ذلك . كنت أحيانا أتوقف عن العد وأتتبع الملاحظة التي استوقفتني , أحيانا كنت اكتشف شيئا مهما وأحيانا لا أنتهي إلى شيء  , فاترك الملاحظة فترة ثم أعود إليها ثانية .. وبقيت على تلك الحال زمنا حتى تجمع لدي الكثير من الملاحظات مما يمكن أن يضم في كتاب أو أكثر ..

سؤال : هل أفهم أنك وجدت إجابات لأسئلتك السابقة ؟

جواب : نعم , لقد وجدت الكثير, بل اكثر مما كنت أبحث عنه . صار في وسعي الإجابة على كل التساؤلات التي كانت تؤرقني . لقد أحسست أنني عثرت على كنز لا يقدر بثمن , علم جديد نافع  فيه خدمة جليلة لكتاب الله الكريم وأهله . وبدأت أفكر بطباعة كتاب أتناول فيه اكتشافاتي في ترتيب القرآن وقد بت على يقين تام أن ترتيب القرآن هو معجزة القرآن التي ادخرها لهذا العصر , وأن تلك الأقوال المتضاربة في مسألة الترتيب ليست اكثر من اجتهادات . وفعلا أصدرت كتابي الأول : أسرار ترتيب القرآن قراءة معاصرة عام 1994 م .. وكنت أظن أن العالم الإسلامي سيطير فرحا بهذا الإنجاز , هكذا تخيلت الأمر .. ولكنني فوجئت برفض البعض للكتاب , وقد سبب لي ذلك حزنا عميقا .. وانقطاعا عن البحث فترة من الزمن .

سؤال : لماذا رفض البعض كتابا يؤكد حفظ القرآن , ويكشف عن وجه إعجازي جديد يضاف إلى ما هو معروف من اوجه الإعجاز ؟ 

جواب : هناك فئة من الناس جاهزة دائما لمحاربة كل جديد لا لسبب اللهم لأنه جاء عن غير طريقها , أو أنه خالف راسخا لديها , هذه الفئة تظن أنها بموقفها هذا تؤدي خدمة للقرآن وأهله , بينما هي في حقيقة الأمر تحارب القرآن . هناك فئة لا تريد أن تتعرف على أي جديد بغض النظر عن صحته ومضمونه وتزعم أن لديها من علوم القرآن ما يكفي ويزيد . وهناك فئة أظنها تعجز عن فهم موضوع لغته الرياضيات , وفي هذه الحال يمكنها أن تختبئ وراء الرفض لإخفاء عجزها .. تصور أن أحدهم ويحمل شهادة الدكتوراة رفض الكتاب بحجة أن بعض الناس يقدسون الأرقام !! هناك من يقدس البقر , لماذا إذن لا نحرم أكل لحومها ؟ . وهناك فئة ترى أن هذه المسائل هي مما لم يعرفه السلف الصالح , هذا يعني أن علينا أن نعود لنعيش في القرن التاسع الهجري , وأن نظل نجتر ما ورثناه عن القدماء حتى تقوم الساعة .. إن أحدا من كل هؤلاء لا يملك حجة واحدة أو دليلا منطقيا يبرر به موقفه , وهذه من اكبر المصائب في أمتنا .

سؤال : قلت انك وجدت إجابة لكل ما كان يشغلك من تساؤلات , في رأيك ما الحكمة من ترتيب القرآن على نحو مغاير لترتيب النزول ؟

جواب : من المعلوم أن القرآن قد نزل في 23 سنة حسب الوقائع والأحداث وحاجات الناس , وكان جبريل عليه السلام يعين للرسول كلما نزل عليه بشيء من القرآن موضع السورة والآية .. ما الهدف من ذلك ؟ بكل بساطة هناك ترتيب محدد يهدف جبريل إلى تحقيقه , ومن الطبيعي أن لا يظهر هذا الترتيب إلا بعد اكتمال نزول القرآن , ذلك انه كان في تغير مستمر تبعا لنزول آيات القرآن واتخاذها مواقع جديدة في ترتيب القرآن . ونفهم هنا أن ترتيب سور القرآن وآياته قد اخذ شكله النهائي بوفاة الرسول واكتمال نزول القرآن , وهو ترتيب مغاير تماما لترتيب النزول .. يمكننا هنا أن نفهم الحكمة من ذلك , ليكون هذا الترتيب


المزيد