أسئلة حائرة حَوْلَ الهجمة عَلَى الأحاديث النبوية
حوار مَع الدكتور مُحَمّد سعيد حوى - أستاذ مساعد في الحديث النبوي ـ جامعة مؤتة ـ الأردن.
اجرى الحوار: محمود أبو فروة الرجبي
تثار حول السنة النبوية وَمُنْذُ مئات السنين العديد من الاسئلة المحيرة عن مكانتها فِي التشريع ومدى صحتها، ومعظم هذه الاسئلة تطرح من باب التشكيك بثاني أهم مصادر التشريع الإسلامي السنة النبوية، والقليل منها، يطرحه بعض الجادين، بِهَدَفِ الوصول إلى إجابات لأسئلة حائرة. فِيمَا يأتي بعض من هذه الإجابات التي تفضل بالإجابة عليها فضيلة الدكتور محمد سعيد حوى، وهوَ من العلماء الشباب الَّذِينَ يبذلون الغالي والنفيس فِي دراسة السنة، وتمحيصها، والدفاع عنها، وَلا بُدَّ من التذكير إلى انه يعمل استاذا مساعدا فِي الحديث النبوي فِي جامعة مؤتة.
السؤال الأول
هَلْ الهجمة الشرسة عَلَى السنة النبوية ومحاولة استبعادها هِيَ حملة جديدة أم لَهَا جذور تاريخية ؟
الدكتور حوى:
بداية أود أن أؤكد أن السنة مصدر ثابت من مصادر التشريع، وأن مكانتها من القضايا الأساسية البديهية القطعية، وما أكثر الأدلة والبراهين النقلية والعقلية القطعية على ذلك.
فلئن كان القرآن قطعياً في ثبوته لا يمكن لمسلم يدعي الإسلام أن ينكر حرفاً منه، فلقد وجه القرآن إلى الأخذ بكل ما جاء عن رسول الله r :
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 20].
﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتُبيِّن للناس ما نُزِّلَ إليهم ولعلهم يتفكرون ﴾ [النحل: 44].
﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ [النساء: 80].
إلى غير ذلك من النصوص القرآنية الكثيرة التي تؤكد وجوب طاعة رسول الله r ، والأخذ بجميع ما صدر عنه r .
ولذلك نستطيع الجزم بكل طمأنينة أنه لا نزاع ولا شك عند كل من ينتسب إلى الإسلام صادقاً أن حجية السنة ضرورة دينية، والواقع أنه لم يقع خلاف أبداً في أصل هذه المسألة بين المسلمين قاطبة.
إنما الخلاف الذي وقع حقيقة وبعد التأمل في مقولات كل المدارس والمذاهب الإسلامية ـ سنيها ومعتزلها وشيعيها، سلفها وخلفها ـ في ثبوت حديث ما، أنه صدر عن رسول الله r أم لم يصدر، وهذا الاختلاف في ثبوت حديث لا يعني رد السنة ابتداءً عند أي طرف في الحقيقة.
كما أن هذا الاختلاف إنما هو بالنسبة للتابعين فمن بعدهم، أما الصحابي فقد تهيأ له أن يسمع من رسول الله r مباشرة فكان الأمر في حقه قطعياً وحجة مطلقة، يكفر لو ردها ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾، ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾.
ثم إن بعض الصحابة قد يغيب عن مشهد ولا يبلغه الحديث مباشرة فيحتاج إلى التثبت من ورود النص عن رسول الله r .
إذن في حقيقة الأمر الاختلاف بين المسلمين في الطريق التي تعتمد في إثبات صدور السنة أو الحديث عن رسول الله r ، وهذا الاختلاف في الحقيقة ليس اختلافاً في حجية السنة، وما ينسب إلى المتقدمين من إنكار للسنة في الحقيقة ظلم لهم.
وإنما يفعل ذلك بعض الناس إما ليهاجم خصماً، أو ليشوه موقفه، فيتهمه بأنه منكر للسنة، أو لأن الخصم أو المخالف رد بعض الأحكام الثابتة عند الآخر، وهي صادرة عن رسول الله r ، فيظن أن ذلك إنكار للسنة، وليس الأمر كذلك.
ولقد بسط هذا البحث الدكتور السباعي في كتابه « السنة ومكانتها في التشريع » ص 149 وما بعدها، والأستاذ عبد الغني عبد الخالق في كتابه « حجية السنة » ص 245 وما بعدها، والدكتور الأعظمي في كتابه « دراسات » ص 22 وما بعدها.
لا شك أن الاختلاف في قواعد الأخذ بالسنة كان كبيراً في بعض الحالات، كالذين اشترطوا التواتر، ولهم أدلتهم غير المقبولة، التي أجاب عنها الأئمة، كما فعل الشافعي في كتابه « الرسالة ».
لكن مهما يكن من أمر فهذا لا يجوز لنا أن ندعي أن أحداً من علماء الإسلام أو المسلمين المتقدمين عدوٌّ للسنة أو يرفض السنة أو ينكرها، ولا يجوز لأحد من المتأخرين أن يعتمد عليهم في رد السنة.
أما الهجمة المعاصرة فهي نوعان:
الأول: كالسابقين لا يقصدون رد السنة ولا إنكارها، ولا هم أعداء لها بحال من الأحوال، إنما وجدت عبارات لبعض العلماء في سياق ما؛ استغلت بشكل سيء من الأعداء أو الخصوم، كما نقل عن محمد عبده قوله: « إن المسلمين ليس لهم إمام في هذا العصر غير القرآن، وإن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول قبل الفتن » انظر: « دراسات » ص 26.
والواقع أن مراد الإمام كقول القائل: القرآن دستورنا، وقوله: « وإن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول » يوضح أن القرآن والسنة هما المرجعية للمسلمين، لأن الصدر الأول عمل بهما ورجع إليهما، ثم إن اعتبار القرآن إماماً يعني الأخذَ بالسنة، لأن القرآن وَجَّه إلى طاعة رسول الله r .
وكذا ما نقل عن رشيد رضا، إنما يقصد أن المرجع الذي يصدر عنه المسلمون ولا يحيدون عنه هو الذي يعصم الفكر من الخطإ، والسلوك من الانحراف، وينقذ الأمة من وهدتها في خضم الصراعات المضطربة؛ إنما هو القرآن، وغاية ما دعا إليه رشيد رضا هو التحقيق والتدقيق في أحاديث الآحاد.
ولا يجوز تحميل كلامه أكثر مما يحتمل، انظر: كتاب « السنة ومكانتها » ص 42 و « دراسات » ص 27.
النوع الثاني: إنما كانت هناك بعض الدعوات من مثل أبي ريه في كتابه « أضواء على السنة »، وتوفيق صدقي في مقال له في مجلة المنار، وأحمد أمين في كتابه « فجر الإسلام » وإسماعيل أدهم في رسالة له، وبعض المنتسبين للعلم في القارة الهندية وغيرهم ما يفيد التشكيك بمجمل السنة النبوية.
وإنني أقول الآن: لا بد من دراسة آرائهم بدقة، فبعض هؤلاء أيضاً لا يقصد مطلق إنكار السنة، وإنما شكك بطرق ثبوتها، ولكنهم لا شك انحرفوا، وأثاروا شبهات لا تمتّ للعلم والتحقيق بصلة، ولم تكن غايات بعضهم سليمة، ولا أهدافهم نبيلة.
وهكذا نجد أن بعض المعاصرين الذين شككوا بمجمل السنة لا رصيد لهم في التاريخ، بل هم مبتوتوا الصلة تماماً عن الأمة ومنهجِ تعاملها مع السنة.
وإننا وإن كنا نخالف منهج المعتزلة وغيرهم في طرق اعتماد السنة، لكننا لا نستطيع أن نصنّفهم في دائرة الخصوم والأعداء للسنة، إنما هو اجتهاد خاطئ ولا شك، على خلاف بعض المعاصرين.
السؤال الثاني
هَلْ تعتقد ان هُنَاكَ من المسلمين من وقع بحسن نية فِي حبائل أصحاب هَذِهِ الدعوات، فراح يدعو مثلما يدعون، رداً عَلَى محاولات التزوير التي وقعت لبعض الأحاديث النبوية خاصة ؟
الدكتور حوى:
عندما تسأل هل هناك أحد من المسلمين وقع في حبائل من يدعو إلى رد السنة؛ فلا يصح أن نتكلم عن أي إنسان، إنما نتكلم عمن كان من أهل العلم والاجتهاد والنقد والاختصاص، فليس أي إنسان تكلم في هذا الشأن يؤبه له أو يهتم لكلامه.
وعلى هذا فلو أجلنا النظر في علماء الأمة واستعرضنا كتاباتهم ومقالاتهم أستطيع القول بكل جزم ويقين: إن أحداً من علماء الأمة المعدودين المعتبرين لم يتأثر بتلك الدعوات.
وما صدر عن بعضهم إنما هو اجتهاد في فهم النصوص، أو نقدها في إطار القواعد العامة المعتبرة.
السؤال الثالث
ما هُوَ الرد عَلَى هَذِهِ شبهة لو أراد الله سبحانه وتعالى ان تَكُون السنة مصدراً للتشريع لحفظها كما حفظ القرآن الكريم، ولكن هَذَا لم يحصل.
الدكتور حوى:
حفظ اللهُ السنةَ حفظاً عاماً بأن هيأ لها أعلاماً يحملونها جيلاً عن جيل، والسنة كما هو معلوم منها ما هو متواتر لفظاً أو معنى، وهو الأقل، ومنها ما هو ظني، لكنه لم يختلف في صحته، فهو مما تلقته الأمة بالقبول، ومنها ما هو ظني مختلف فيه، والراجح ثبوته عند الجمهور، والأدلة العقلية والنقلية تشهد له، وكل هذا كافٍ في إثبات الأحكام الشرعية العملية، فبإجماع العلماء أن الدليل الظني الثبوت يكفي لإثبات الأحكام العملية من فروع العقائد والعبادات والمعاملات.
أما العقائد والأصول العامة فلا بد لها من الأدلة القطعية، لإقامة الحجة بها، ولا يعني هذا رد أحاديث الآحاد، وإنما يتعلق هذا بمسألة الحكم بالكفر أو الإيمان، فما لم يكن الدليل قطعياً لا يكفر منكره، وهذه الأدلة القطعية قد وجدت في القرآن الكريم،
المزيد